الخطيب الشربيني
481
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أي : بمضلين أحدا من الناس . إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي : إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة . تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ووسوسته وإنما المؤثر هو الله حيث قضاه وقدره . ثم إن جبريل عليه السّلام أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن الملائكة ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار بقوله : وَما مِنَّا أي : معشر الملائكة ملك إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في السماوات يعبد الله تعالى فيه لا يتجاوزه ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح ، وروى أبو ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا » « 1 » قيل : الأطيط أصوات الأقتاب وقيل : أصوات الإبل وحسها ، ومعنى الحديث : ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة عليهم السلام وإن لم يكن ثم أطيط ، وقال السدي : إلا له مقام معلوم في القرب والمشاهدة . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أي : أقدامنا في الصلاة ، وقال الكلبي : صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض . وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي : المنزهون الله تعالى عما لا يليق به ، وقيل : هذا حكاية كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، والمعنى : وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله تعالى في القيامة وإنا لنحن الصافون في الصلاة والمنزهون له تعالى عن السوء . ثم إنه تعالى أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال : وَإِنْ كانُوا أي : كفار مكة ، وإن مخففة من الثقيلة لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً أي : كتابا مِنَ الْأَوَّلِينَ أي : من كتب الأمم الماضين . لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي : لأخلصنا العبادة له وما كذبنا ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والمهيمن عليها وهو القرآن العظيم . فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم ، ولما هددهم بذلك أردفه بما يقوي قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا أي : بالنصر لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ وهي قوله تعالى لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] أو هي قوله تعالى : إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا أي : المؤمنين لَهُمُ الْغالِبُونَ أي : الكفار ، والنصرة والغلبة قد تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء ، وقد تكون بالدوام والثبات ، فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب في الآخرة ، فالحكم في ذلك للأغلب في الدنيا فلا ينافي ذلك قتل بعض الأنبياء عليهم السلام وهزم كثير من المؤمنين ، وإنما سمى ذلك كلمة وهي كلمات لانتظامها في معنى واحد . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي : أعرض عن كفار مكة ، واختلف في قوله تعالى : حَتَّى حِينٍ فقال ابن عباس : يعني الموت ، وقال مجاهد : يوم بدر ، وقال السدي : حتى يأمرك الله تعالى بالقتال ،
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد حديث 2312 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4190 ، وأحمد في المسند 5 / 173 .